قصة يوسف، شاب مغربي، بروكسل، أسبوع الوصول
نزل يوسف من الطائرة في مطار زافنتم وهو يرتجف من البرد الذي لم يعتد عليه، أكثر من ارتجافه من القلق. كان قد ترك الرباط قبل ساعات فقط ليبدأ وظيفته الجديدة كمهندس في شركة بروكسلية صغيرة، وكل ما يملكه هو حقيبتان وعنوان شقة لم يرها من قبل إلا في صورة.
في اليوم الأول، تاه في محطة بروكسل الجنوبية بين لافتات بالفرنسية والهولندية، حتى ساعده شاب آخر يحمل حقيبة ظهر مشابهة لحقيبته، اتضح لاحقاً أنه طالب جزائري يدرس في الجامعة الحرة. تبادلا أرقام الهاتف قبل أن يفترقا — أول صديق ليوسف في بلجيكا، وجده في محطة قطار.
قضى يومه الثاني في دار البلدية، يقف في طابور طويل بورقة عمل ووثائق مترجمة. حين وصل دوره أخيراً، أعطته الموظفة ورقة برتقالية اللون — ما يسميه الجميع هناك «الملحق ١٩» أو ببساطة «البطاقة البرتقالية» — إثبات مؤقت أن ملفه قيد المعالجة، ريثما تُنجز الشرطة زيارة تأكيد السكن وتُصدر له بطاقة إقامة رسمية خلال الأشهر القادمة.
في يومه الثالث فتح حساباً مصرفياً، خطوة بدت له معقدة ثم تبيّن أنها لا تأخذ أكثر من نصف ساعة بمساعدة موظف صبور شرح له بالإنجليزية البطيئة كل خطوة.
لكن اليوم الذي غيّر شعوره تجاه المكان كله كان يوم الخميس، أول يوم عمل. زملاؤه في الشركة استقبلوه بفنجان قهوة وسألوه عن المغرب بفضول حقيقي، وعلّمه أحدهم كلمة «Dag» للتحية وكلمة «Merci» بلكنة بروكسلية مضحكة. وحين لاحظ مديره أن يوسف متوتر من موعد زيارة الشرطة لمنزله ذلك المساء، طمأنه: «إنه إجراء عادي، لا تقلق، الجميع يمر به».
مساء الجمعة، اتصل يوسف بأمه. قال لها: «شعرت بالوحدة في المصعد يا أمي، حتى قالت لي جارة عجوز Bonjour وابتسمت. حينها فقط شعرت أنني لست غريباً بالكامل». أنهى مكالمته وهو يعلم أن البطاقة البرتقالية ستتحول قريباً إلى شيء أكبر: بداية حياة.
